ابن كثير

44

البداية والنهاية

الاسلام وما رأيته قط إلا هممت بقتله ، ولما كتب الحجاج إلى ابن الأشعث بذلك وترادفت إليه البرد بذلك ، غضب ابن الأشعث وقال : يكتب إلي بمثل هذا وهو لا يصلح أن يكون من بعض جندي ولا من بعض خدمي لخوره وضعف قوته ؟ أما يذكر أباه من ثقيف هذا الجبان صاحب غزالة - يعني أن غزالة زوجة شبيب حملت على الحجاج وجيشه فانهزموا منها وهي امرأة لما دخلت الكوفة - ثم إن ابن الأشعث جمع رؤوس أهل العراق وقال لهم : إن الحجاج قد ألح عليكم في الايغال في بلاد العدو ، وهي البلاد التي قد هلك فيها إخوانكم بالأمس ، وقد أقبل عليكم فصل الشتاء والبرد ، فانظروا في أمركم أما أنا فلست مطيعه ولا أنقض رأيا رأيته بالأمس ، ثم قام فيهم خطيبا فأعلمهم بما كان رأى من الرأي له ولهم ، وطلب في ذلك من إصلاح البلاد التي فتحوها ، وأن يقيموا بها حتى يتقووا بغلاتها وأموالها ويخرج عنهم فصل البرد ثم يسيرون في بلاد العدو فيفتحونها بلدا بلدا إلى أن يحصروا رتبيل ملك الترك في مدينة العظماء ، ثم أعلمهم بما كتب إليه الحجاج من الامر بمعاجلة رتبيل ( 1 ) . فثار إليه الناس وقالوا : لا بل نأبى على عدو الله الحجاج ولا نسمع له ولا نطيع . قال أبو مخنف : فحدثني مطرف بن عامر بن وائلة ( 2 ) الكناني أن أباه كان أول من تكلم في ذلك ، وكان شاعرا خطيبا ، وكان مما قال : إن مثل الحجاج في هذا الرأي ومثلنا كما قال الأول لأخيه احمل عبدك على الفرس فإن هلك هلك ، وإن نجا فلك ، أنتم إذا ظفرتم كان ذلك زيادة في سلطانه ، وإن هلكتم كنتم الأعداء البغضاء ، ثم قال : اخلعوا عدو الله الحجاج - ولم يذكر خلع عبد الملك - وبايعوا لأميركم عبد الرحمن بن الأشعث فإني أشهدكم أني أول خالع للحجاج . فقال الناس من كل جانب : خلعنا عدو الله ، ووثبوا إلى عبد الرحمن بن الأشعث فبايعوه عوضا عن الحجاج ، ولم يذكروا خلع عبد الملك بن مروان ، وبعث ابن الأشعث إلى رتبيل فصالحه على أنه إن ظفروا بالحجاج فلا خراج على رتبيل أبدا . ثم سار ابن الأشعث بالجنود الذين معه مقبلا من سجستان إلى الحجاج ليقاتله ويأخذ منه العراق ، فلما توسطوا الطريق ( 3 ) قالوا : إن خلعنا للحجاج خلع لابن مروان فخلعوها وجددوا البيعة لابن الأشعث فبايعهم على كتاب الله وسنة رسوله وخلع أئمة الضلالة وجهاد الملحدين ، فإذا قالوا نعم بايعهم . فلما بلغ الحجاج ما صنعوا من خلعه وخلع ابن مروان ، كتب إلى عبد الملك يعلمه بذلك ويستعجله في بعثه الجنود إليه ، وجاء الحجاج حتى نزل البصرة ، وبلغ المهلب خبر ابن الأشعث ، وكتب إليه يدعوه إلى ذلك فأبى عليه ، وبعث بكتابه إلى الحجاج ، وكتب المهلب إلى ابن الأشعث يقول له : إنك يا بن الأشعث قد وضعت رجلك في ركاب طويل ، ابق على

--> ( 1 ) في ابن الأعثم 7 / 117 : كتب ابن الأشعث كتابا على لسان الحجاج إليه يأمره فيه بقتل فلان وفلان من أصحابه وأن يبعث برؤوسهم إليه ، وقرأه أمام أصحابه . . . ثم أعلن امامهم خلعه وصاحبه عبد الملك بن مروان ( وانظر الإمامة والسياسة 2 / 33 ) . ( 2 ) في الطبري وابن الأثير : واثلة . ( 3 ) في مروج الذهب 3 / 159 : صار إلى بلاد كرمان .